مـالـك بـن نــبي عقل الجزائر

 الدكتور مسعود مكيد

أحيانا يتلخص عقل أمة ما في رجل واحد فيصبح هو رمزها الأعظم، فلا غرابة أن يصبح نيتشه مثلا هو عقل الأمة الألمانية وفولتير هو عقل فرنسا، وبرنارد شو هو عقل بريطانيا، هذه العقول التي جسدت بعبقرية كبيرة ملامح الواقع والفكر في مجتمعاتها التي لم تأنف بدورها من اختصارها في فرد بعينه من أفرادها رغم العبقريات الكثيرة الأخرى التي تزخر بها، لكن الأفكار الكبرى والخطوط العريضة التي خطها أولئك المبدعون جعلت فكرهم هو العلامة المميزة لتلك الأمم.

لا شك أن الأمة الجزائرية لم ترق إلى تلك الأمم في عظمتها وإنجازاتها إلا أنها ملكت أيضا عقولا لو تهيأت لأمة من هذه الأمم لصنعت منها أعجوبة أخرى، لكن قدر هذه العقول أن تظلم مرتين، مرة لأنها تنتمي لهذه الأمة ومرة لأن النسيان أصبح قدرها الجديد، هكذا هو حال مفكر وعبقري كمالك بن نبي الذي أنتج عصارة فكرية ترقى إلى مستوى من العبقرية لا يقل شأنا عن عبقرية نيتشه أو فولتير أو ساتر أو هيجل أو ماركس كل في مجاله.

فهذه الأسماء اللامعة لم تصبح بكل ذلك البريق والسطوع إلا بفضل التقدير الكبير الذي حظيت به من شعوبها وقراءها الذين كرسوا أعمال أولئك العظماء عبر أجيال وأجيال حتى منحوها أعمارا أطول من أعمارها الطبيعية، بخلاف عبقري كمالك بن نبي الذي قتل قتلا معنويا في الأمة الجزائرية حتى جهلته هو شخصيا فضلا عن أن تكرس فكره ومؤلفاته، فقد غدت الأجيال اللاحقة لا تسمع عن كنز وهبة فكرية مثله والذي كتب وصاغ فكر هذه الأمة في أحلك ظروفها بل وامتد فكره إلى أبعد من ذلك وهو يقدم أقوى التصورات المستقبلية لهذه الأمة التي لو راجعت أعمال هذا المفكر الفذ لوجدت أنه عقلها الواعي الرصين والحكيم الذي يستحق أن يكون معلمها وصائغ أفكارها الكبرى التي تنطلق بها نحو آفاق الحضارة التي ظل ينظر لها بن نبي طويلا، آملا أن يولد لهذه الأمة تاريخ جديد بدلا من ذلك التاريخ التعيس والهزال الحضاري الذي منيت به عبر تاريخها الطويل.

ذلك هو مالك بن نبي الذي ملك روائع الفكر حتى قال عنه المفكر المصري محمد المبارك في مقدمة أحد كتبه: »أنا لا أقول عنه أنه (ابن نبي)، ولكنني أقول إنه ينهل من نفحات النبوة وينابيع الحقيقة الخالدة ».[1]

ليس غريبا أن يكون مالك بن نبي بكل ذلك الاكتناز الفكري فيه، لكن الغريب أن تجهل هذه الأمة ذلك الرجل كل هذا الجهل وتهمشه في حياة الناس إلى ذلك الحد الذي تصبح الأجيال تجهل شخصية عبقرية مثله، فميراثه الفكري يشهد أنه أهل لأن يكون أعظم الرموز فيها بل وحتى عقلها الأوحد، وكيف لا وهو ليس بشاعر أو روائي أو فنان ولكنه مفكر ومنظر اجتماعي كتب عن أعمق المشكلات في هذه الذات، كتب عن ماضيها وحاضرها وحتى مستقبلها الذي وضع خطوطه العريضة بحكمة بالغة تدل على عمق في فهم هذه الأمة وإطلاع كبير على أحوال النفس الإنسانية فيها، فهو المثقف الواسع المدارك بلا منازع وهو الواعي البصير بما ملك من ثقافة وتجربة وروح دينية تجعله من أعظم الرواد والمفكرين ليس في الشأن الجزائري فحسب ولكن في الشأن الإسلامي ككل بما وضعه من نظريات وصاغه من أفكار حول واقع الأمة الإسلامية لا يقل في ذلك شأنا عن علامة وعبقري كابن خلدون صاحب المقدمة.

إن نظرة بسيطة لأعمال مالك بن نبي ولو اقتصرت على العناوين تجعل القارئ يدرك أنه مفكر منقطع النظير نافذ الكلمة، بليغ الجملة، عميق التجربة وليس أدل على ذلك من ذكائه في اختيار عناوين كتبه فضلا عن موضوعاتها الجديدة التي لا تزال قابلة للقراءة من جديد، بل وصالحة للتطبيق والتبني، خاصة في مجتمع كالمجتمع الجزائري الذي لا يزال يحبو في سلم الحضارات والمعرفة، حتى أن فكر هذا الرجل يبدو أحيانا أكبر وأعمق من هذا المجتمع الذي يحتاج إلى عودة لأوليات الفكر والعلم حتى يتسنى له إدراك وفهم نظريات وفكر عبقري كمالك بن نبي الذي تبدو أفكاره عميقة المعنى بعيدة الهدف، وكيف لا وهو مفكر يكتب عن مفاهيم معقدة وصعبة حول الحضارات الإنسانية وأسباب قيام الأمم واستمرارها، وربما قد يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت فكره مستعصيا على الأجيال، لكن هذا عذر أقبح من ذنب كما يقولون، فهو ابن هذا المجتمع وكتب لهذا المجتمع ولا بد أن توجد عقول تستوعب فكر هذا الرجل لتنصفه وتجعله رائدا ورمزا ليس في هذا المجتمع فحسب ولكن لكثير من المجتمعات ذات التراكيب المشابهة لمجتمعنا، فهو بفكره ليس أقل من أولئك العظماء الذين نردد أسماءهم دوما ونكرس نظرياتهم في المناهج المدرسية على كل المستويات، بل إن فكره يبدو في الحالة الجزائرية أسبق من هؤلاء جميعا لأنه ابن هذه الذات وهو أكثر من فهمها وكتب عنها.

لقد عاش ابن نبي بين مرحلتين جعلت فكره يقدح بروائع الأفكار ويكتب تصوراته كلها من وحي الواقع الذي عاشه بينهما، فهو قد عاصر الاستعمار بكل مرارته ومآسيه وعاصر هذا المجتمع في أوج استقلاله وامتد به العمر إلى أن عاش محنة السقوط والفشل الذي مني به هذا المجتمع في إدارة الذات وهو الذي تصور أن كل آماله وتصوراته ستتحقق بعد أن تنال الجزائر استقلالها، لكنه مضى بخيبة كبيرة عن هذا المجتمع طالته حتى كإنسان حيث قضى أيامه الأخيرة مهمشا منزويا في بيته بعد أن بدأت آثار الدكتاتورية والانحراف عن مسار الثورة وقيمها الكبيرة تظهر بقوة وتشكل ملامح نظام جديد غريب عن الجزائر كان من حظ الرجل أنه مات قبل أن يراه ويرى فعله وأفعاله في العقود القادمة.

إن مقولة عظيمة واحدة كالتي لخص بها هذا المفكر حال أمته مع الاستعمار: » لكي لا نكون مستعمرين لا بد أن نتخلص من القابلية للاستعمار » تدل على عبقرية في فهم أصعب وأهم مرحلة مر بها المجتمع الجزائري والتي لخص بها جذور مشكلة هذا الشعب مع الاستعمار بعد أن أعيته كل الوسائل في التحرر من هذا القيد الإنساني الذي أثقله لأكثر من قرن وربع، هذه الجملة البسيطة التي انبثقت من وحي الإشعاع الرباني التي سبقتها مقولة قرآنية أعم وأشمل « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » والتي أنارت لنا كما يقول بن نبي حلبة الصراع[2].

ولكن بن نبي لم يكتب لهذه الأمة عن هذه المرحلة الاستعمارية فحسب، بل إنه تعمق في الكتابة عنها بعد استقلالها بروح وطنية عادلة وبنبؤات عجيبة أصبحنا نعيشها واقعا ونرى بعدها الفلسفي بما يبعث على الأسف والأسى الذي أهملنا فيه عقلنا وفكرنا ووعينا وأسأنا لذاتنا وظلمنا أنفسنا برغم كل ما حبانا به الله من أسباب الطاقة المادية منها والمعنوية.

قد يكون فكر مالك بن نبي أكبر من هذه الأمة وأعمق فلسفة من أن تدركه أجيال هي بين أمرين، إما أنها ساذجة حد البساطة بما لا تقوى على إدراك فكره وإما أنها أمة مستلبة ذات قابلية لكل ما هو خارجي عنها بما لا يجعل فكره عندها مقنعا ومقبولا، فليس من تفسير لأمة تملك كل هذه الطاقة الفكرية والمخزون الفلسفي لها أن تعيش كل هذه العقود بلا رؤية حقيقية لها ولا منهاج تغيير، بل إن أمما أخرى أبعد ما تكون عنا قد تمثلت فكره وتبنت كثيرا من أفكاره كما هو الشأن في بعض البلاد الآسيوية، بينما الرجل عندنا طاقة معنوية مهدرة شأنه شأن تلك الطاقة المادية المهدرة والمستنزفة منذ عقود وعقود.

[1] مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، سورية، 2002، ص 14.

[2] مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 1969. ص 9.

 الدكتور مسعود مكيد

Related posts

فيديو نادر لزيارة مالك بن نبي رحمه الله إلى الصين سنة 1964

Conférence Malek Bennabi a Guérrara

خطاب نادر لسيد الرجال والمفكر الجزائري مالك بن نبي من أجمل الكلام الذي سمعته